علي بن أحمد المهائمي

14

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

فدخله واشتغل بالذكر لا يخرج إلا وقت الصلاة . قال الشيخ رضي اللّه عنه فأقمت بتلك الجبانة أربعة أيام ، وخرجت بعدها بهذه العلوم كلها . ثم اجتمع بعد ذلك بعلماء بلاد الغرب وصلحائها وأوليائها ، فأقر الكل بجلالة قدره ، وانقادوا لنهيه وأمره ، واعترفوا بعلو شأنه ، وارتفاع مكانه ، ولو وقف الإنسان على ما جرى بينه وبين علماء ذلك الزمان من المحاضرات والمجالسات والمكاتبات والمراسلات لحار قلبه ، وطار لبّه من أحواله العجيبة وأقواله الغريبة ، وكل ذلك مذكور في مصنفاته ، مسطور في مؤلفاته . ثم توجه إلى مكة - شرفها اللّه تعالى - وحج ودخل بلاد الروم ، وتزوج بأم قطب الوقت الشيخ صدر الدين محمد بن إسحاق القونوي رضي اللّه عنه « 1 » ، وعلى يده تخرج ، ثم انتقل إلى دمشق بعد ما جاور بمكة المشرفة مدة من الزمان ، وكان بها رئيس هذا الشأن . ثم أقام بدمشق مدة حياته إلى حين وفاته مشتغلا بالتصانيف العجيبة ، والتواليف الغريبة ، لم ينسج على منوالها ، ولا سمحت قريحة بمثالها ، ما يزيد على خمسمائة مصنف ، وسيأتي ذكر مصنفاته في الباب الثاني . ولما توفي ليلة الجمعة الثانية والعشرين من ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين وستمائة كان لجنازته يوم مشهود ، ووقت مسعود ، وشيعه صاحب دمشق راجلا مع جمهور الأمراء والوزراء والعلماء والفقراء ، ولم يبق بدمشق أحد إلا شيعه . وغلقت أهل الأسواق دكاكينهم ثلاثة أيام تعزية له ، ودفن بجبانة محيي الدين ابن الزكي بصالحية دمشق ، بسفح جبل قاسيون ، وبني عليه بناء عظيم ومزار كريم ، وهو إلى الآن مزار أعيان الزمان في كل عصر وأوان ، يلوح منه لزواره ألوان الأسرار ، ويفوح منه لقصاده تضوع الأعطار بالأقطار ، تستجاب فيه الدعوات لذوي الحاجات في سائر الأوقات . وكان رضي اللّه عنه شيخا جليلا ، عالي القدر ، واسع الصدر ، متمكنا من العلوم الشرعية ، راسخا في أسرار المعارف الحقيقية ، وفي سائر العلوم التي حارت فيها الأفهام والعقول .

--> ( 1 ) هو سيدي محمد بن إسحاق بن محمد الرومي ، الصوفي ، العارف الكبير الإمام الشهير صدر الدين القونوي ، أجل تلامذة ابن عربي . كان عارفا على المقام ، متكلما بما تقتصر عنه الأفهام ، وهو شيخ أهل الوحدة بقونية وما والاها . كان يسلك طريق شيخه الحاتمي في جميع أحواله ومقالاته التي تفرد بها ، والوقوف عند نص أقواله ، وكان بكتبه سيما الفتوحات مغري ، وهي أجود ما يعرفه ، وخير دينار يخرجه من كيس معاليمه ويصرفه . وله تصانيف في السلوك منها « شرح التجليات » وله تفسير شهير ، وكتاب « النفحات الإلهية » و « النصوص في فك الفصوص » ، وشرح أسماء اللّه الحسنى ، ثلاثتهم بتحقيقنا ، و « مفتاح غيب الغيب » وغير ذلك . مات بقونية سنة اثنين وسبعين وستمائة . انظر : طبقات السبكي ( 8 / 45 ) ، طبقات الأولياء ( 467 ) ، طبقات الشعراني ( 1 / 203 ) ، كرامات الأولياء ( 1 / 133 ) .